قاهر النعرة القومية| نور العجيل

الثلاثاء 14 يناير 2020 9:34 م

يجلس ساعاتٍ على مكتبه، ما من قضية إلا ارتدى رداء الدفاع عنها، تكاد ألا تعرفه فاطمة لو رأت ما يخط قلمه بحثًا عن الشهرة وراء غزله لعالم لا يشبه عالمه، ورجلٌ لا يشبه عقلية من يشاطرها حياتها على مدى خمس أعوام، ووجهه حتى وجهه في ذلك العالم كان مختلفًا لدى أي مصور محترف التقط تلك الصورة؟ ما كان وسيم هكذا، ولا حتى بيوم زفافه، بأنف دقيق، لا يشبه أنفه الذي يأخذ ربع وجهه، وعيناه التي وكأنما شكلتها كل براءة العالم لا تشبه المتوقدة بالشر كلما حاولت تتقبله فتنفّرها، وابتسامته الرقيقة التي هجرتها بعد الشهر الأول من حياتهما الزوجية.

يطول نقاشه مع سارة امرأة من عالم مختلف تمامًا كما العالم الذي ابتدعه أمامها:

-زواج مسيحي من مسلمة، ما بال المتطرفين لا يباركونه؟

تجيبه سارة: تقول المسلمة أنها لا تكف عن اصطحاب ابنتها يوم الجمعة للمسجد، وكذلك زوجها يصطحب البنت للكنائس أيام الأحاد

: يالحبهما العميق!

يبارك زواجهما بأعذب كلماته كأي نزق، لا يفقه في الدين فقرر محاربته

تلي مباركته مئات المؤيدين لعقليته النيّرة على حد قولهم.

في الجانب الآخر من العالم الموازي المبتدع يخفق قلب سارة بشدة، ذاعن بإعجابه تتساءل، هل محل الإعجاب القلب؟ وإن كان لا.. لِمَ يطرب لحديثه قلبي؟

أما هو يقتطع حبل شروده بحقوق المرأة وماذا سيكتب خطوات فاطمة، تدخل مكتبه، الذي يقضي به أكثر مما يقضي معها، يكسيه اللون البني الفاتح، والإضاءة الصفراء، وعلى اليمين مكتبته الكبيرة، تتساءل دائمًا كم تحوي من الكتب، وتكاد تجزم وحدها أنه لم يقرأ أكثر من كتابين، إحداها كان عبارة كتيب بصور الأثاث المكتبي، أما الآخر أن لم يخب ارهاصها رواية ركيكة، تداعب شعور المراهقات والمراهقين على حدٍ سواء، حتى وإن جاوزوا الخامسة والثلاثين..

. ألا أستطيع الجلوس بمفردي ساعة واحدة!

. لكن، قد مرت ثلاث ساعات على جلوسك بمفردك

.أتحاسبيني على ذلك أيضًا؟

.أبدًا لا أفعل، أردت زيارة أمي كعادتي

.لا!

.لكن، لِمَ؟

.دون سبب

تحدق بعينيه علها تنال بعض وده الذي ينهمر كمطر خريفي بذاك العالم، خلاف ما كانت تعيش به من تصحر، تسحب خطواتها مُعلنة الخضوع لأمره.

يلج ذاك العالم مرة أخرى ليكتب:

متى يحين للنساء التمتع بحقوقهن بمجتمع قاهر كهذا؟

متناسٍ بأنه لن يحين طالما من على شاكلته تحيا، منهم مئات من المعجبين والمطبلين لضميره الحي، الذين لا يحسون بما تحسه فاطمة، ولا يغوصون بما يبلل وسادتها من دموع، كلما قرر أن يكون الرد “لا” بلا سبب.

كانت ليلة قرة حينما هبطت فاطمه على عالمه الوردي، كانت البرودة تنبثق من أطرافها، لا تشبه ما يكن جوفها من حشرجة في أوج تكدسها، تسقط دمعة، فتضحك بهستيرية بدلًا من البكاء، لا تدري متى خانتها أحاسيسها، تنتظر العويل فيسبقه الضحك، تلمس جوفها برفق تجس النار فلا تشعر بنار، كانت تشعر بالبرد، البرد الذي لا علاقة له بالطقس، البرد الذي لا تستره عدا الكرامة.

هنا ينبذ الفوقية، وكأنه لم يدفن قصة حب ابن عمه لأخته حينما منع زواجهما، هنا يتحدث عن اللطف وكأنه ما ترك ابن سائق المنزل يموت بدلاً عن اعطاءه مبلغ زهيد من المال، وهنا يتحدث عن الكرم وكأن مرتبها لا ينام بمحفظته، يتحدث، ويتحدث، الجميع يصفق، ووحدها من ترى الحقيقية، كانت دائمًا تبرر ما يفعل.

حينما تقول أمها أنه بخيل، تجيب لا، بل حريص.

وحينما أخبرتها سامية في السنة الأولى من زواجهما أنها تعيش في سجن، قالت لا، بل غيور.

وحينما قالت أمل بأن رفضه لزواجها من ابن عمها لمجرد أنه فقير يعتبر أنانية، قالت لا بل خوف عليك. وحينما مات ابن السائق، قالت كان يعلمه كيفية الإعتماد على النفس، ظلت تفكر، وتفكر حتى قررت أن تنسحب أخيرًا وتركن تلك الرسالة على المصطبة:

العالم المبتدع أيضًا كان سيئًا، سيّان ما بين كونك في غاية المثالية وما بين كونك في أعلى درجات النقص، ها أنا حرة، وكل ما كان يمنعني عن المضي وهم..

أن تفيق لكرامتك متأخرًا خيرًا من ألا تفيق!

مضت ساعة على رحيلها حينما استيقظ، يقرأ الرسالة دونما أن يرف قلبه لزوجته، ولابنه بدر، أحس أنه تخلص من عبء كان يعيقه حالما يشرع في التقمص، قرر في تلك اللحظة تحديدًا التي توقعت فيها فاطمة أنه نادم، ويتمنى لو أنه لم يفعل كل هذا، قرر أن يتزوج سارة، لكن دون أن تدري بأنها وسيلة دراسة يتعلم منها كيف يعيش أبناء ذاك العالم عن كثب، ما أسهل خداع النساء في العاطفة لا سيما إن كانت المرأة جاهلة.

في ذاك المقهى غير التقليدي، وتلك الفاتورة بالمبلغ الباهض لكوبين من القهوة، وعلى نغامات موسيقى مونامور الهادئة، عرض على سارة الزواج

في هوادة، يخرج ذاك الخاتم من عروة سترته على النظام الغربي، لتجيبه بافترار أنها قبلت زواجها منه، سار اللقاء كما رسم له، مثل هذه الفتاة لا تنتظر رأي أسرتها بمن ستقترن به، كلفه زواجه من فاطمة شهر ليتلقى الموافقة فقط، أما سارة ما استغرقت نصف الساعة، كان يشعر بأنه نال على فأر تجارب، بينما هي تشعر وكأن الحياة منصفة ولطالما حلمت بأن تتزوج بزوج متفهم كهذا، يؤمن بالحرية، بل ويستنشقها، ويدرك بأن بلا حرية لن تكون هناك حياة، ستكون هناك نزاعات لا حصار لها.

في الشهر الثاني من زواجهما بدأ يشعر بالفرق، كانت لا تشبه فاطمة المتفهمة، كانت تكفي فاطمة كلمة “لا” لتقضي بقية اليوم في المنزل، لكن ملايين من كلمات الرفض لا تكفي سارة طالما ليس هناك سبب حقيقي كما تقول، ويدري بأنها تعني سبب لا يمت للتقاليد بصلة، ولا الدين، سبب نتاجه المنطق، حتى التجربة ليست سبب للرفض.

سهرات مع الأصدقاء، عشاء مع أصدقاء قدامى، سفر مع زميل العمل، لباس لا يرضي أي رجل مسلم قبل أن يكون عربي، أحس بأن ذاك العالم عن كثب لا يشبه ما ينسجه في خياله، أحس بأنه يجرد ذاته من رواسخها، كان يشعر بأنه ناقص حين تقبل بدعوة صديق، تضحك مع هذا، وتطيل ملامسة يد ذاك، يمر شريط ذكريات فاطمة سريعًا، كانت محتشمة جدًا، كانت تكاد ألا تخرج، حتى خروجها لوالدتها يتطلب موافقة منه، قرر أن ينهي ذلك سريعًا، يخبرها بأنها لا تليق له، لأنه أحس بفتور من ناحيتها خوفًا من أن يقول لها لست سوى هاوي للتجربة وكنتِ رفيقة محطة، تقبل بعذره وتنسحب بهدوء..

لا يعلم متى، وكيف، ساقته رجله في ذاك المساء لمنزل ذوي فاطمة، فكر كثيرًا قبل أن يطرق الباب، كانت يتوقع أن ترضخ فاطمة حالما يغلف طلب عودته لها باسم مستقبل بدر، استقبلته فاطمة دون ابتسامة بينما هو لم يكف عن توزيع الابتسامات، لأول مرة يشعر بأنها جميلة، لأنه فقدها يا تُرى، لا يدري، أخبرها بأنها تبدو جميلة تمامًا كما لو كان يوم زفافها، أما هي فردت لأنك لستَ معي!

. لهذه الدرجة كرهتي رؤيتي؟

. لا أكره رؤيتك هنالك منطقة ما بين الكره والحب أن لا أكن لك أي شعور يرتجف له قلبي، لا أكرهك لكن لا أحبك

. لا نحتاج للحب، كل ما نحتاجه أن يعيش بدر سعيد كأقرانه!

. سيعيش سعيد في منزل والدي، لن يكبر على وهم، ولن يكون في دائرة نفاق واسعة لا ندرك منتهاها

.فاطمة، ما هي شروطك، الاسطوانة هذه طالت كثيرًا!

. أريد حقوق النساء التي تجاهر بها خارج المنزل وتدفنني داخله!

. أبدًا

لن يجعل منها نسخة بريئة من سارة، يخرج من منزلها، يرتمي على كرسي المكتب يحرق كل ما يربطه بذاك العالم، يكسر كل سبل المواصلات التي جعلته عبدًا للوهم، يصرخ بمرارة، لم تخنه حواسه هو الآخر، لكن خانته يده، أدرك بأن خسارته كانت فادحة، وأن هذا جزاءه مهما سعى

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: