محفوظ راشد الشبلي يكتب شيءٌ من ذاكرة الماضي..

الأربعاء 20 مايو 2020 10:44 م

شيءٌ من ذاكرة الماضي..

جلس وحيدًا في زاويةٍ من زوايا المسجد وانهمرت عيناه بدمعة وهو يرفع يداه ذاكرًا لله وداعيًا له، المسجد خالي من المُصلين فقد انقضت الصلاة وتفرّق الجَمع وانتشر المصلّون إلى رزقهم وإلى بيوتهم، صَمْت الهدوء يُخيّم في المسجد وما يكسر ذلك الصمت هو صوت تهليلاته الناحية بذكر الله وصوت أجنحة المراوح المرتفعة في سقف المسجد تدفع بشيء من الهواء يَهفّه على طرف عِمامته التي يلويها على رأسه دون تنظيم وتصفيف.

دارت كعادتها أفكاره وسط زِحام ذلك الصمت بعد فروغه من أذكاره دُبُر كلَّ صلاةٍ وتحركت به لتلك السنين الخوالي الماضية لتلك القوة التي يمتلكُهَا ويتمتّع بها في سواعده وبدنة، لتلك الأرض التي عايشها يَحْرُثهَا بمعوله الذي لا يَكل ولا يَمل، لخرير جداول تلك السواقي التي ينسابُ خلالها ذلك الماء العذب الرَّقرَاق يسقي جُذُورًا وأشجار زراعته التي يعتني بها ولصوت ماكينة الرَّي الصادح صوتها بين جذوع أشجار النخيل المتدلية رَطَّبَهَا وثِمار الأنبا الدانية قطوفها ولصوت العصافير والطيور المغردة والمتنقّلة بين أغصانها.

يكسر حوم فكره ذلك دمعة سقطت من عينيه ما لبث أن مسحها بطرف عِمامته والمتدلي على جانب وجهه قبل أن تصل للحيته وتختلط بلونها الأشيبُ الأبيضُ الشاحب.

هلَّلَ الله وذكره بصوتٍ عال وعدّل جلسته وسافر مُجدّدًا لزاوية أخرى وَمشهد آخر بنداء جاره الذي يتلاصق سِياج مزرعتهُ بِمَزْرَعَتِهِ، يُسلّم عليه ويسأله عن غلّة المحصول لَديه وهو يقترب نحوه في نشوة وفرح ووجه مُشرق ومُبتسم ومُهللًا بصديقه وجاره العزيز عليه وبقريبٍ منه يتكئ بمعوله الذي يحمله في يده ويجيبه بأن الخير وافر والحمد لله ويُبادله السؤال عن عياله ويشكر الله بحالهم وصحتهم وعافيتهم وأن أحدهم يقطف رُطب النخيل في ناحية المزرعة الأخرى والآخر أرسله في مسألة خارج المزرعة.

أَنهَيَا حديثهما الجميل ذلك بتلويحه ممزوجةٍ بِابْتِسَامَة تَبادلاهَا ورجعا كلٍّ منهما لِيُواصل عمله بمزرعته، وقُبيل المغرب أخذ غطسه في حوض المزرعة البارد وحمل سلّته المملوءة بِالرُّطَبِ وغادر راجعًا بها إلى البيت، صلّى المغرب مع جماعة المسجد وتناول عشاءه مع زوجته وعياله وصلى العشاء واستلقى نائمًا بعد عناء يومٍ طويل.

انتبه لصوت صرير الباب وإذ به المؤذن يدخل ليرفع الأذان لِيكسر عنه حُلم تلك السنين الراحلة في غياهب النسيان ولتلك الأيّام الخوالي العابقة في ذاكرته والضاربة في عمق تاريخ ماضيه الجميل الذي خانه فيه الدهر وأثقل به الشّيبَ كاهله وغادر عنه رفقاء دربه وأعزّ أصدقائه المُجالسين له طوال حياته في عِز شبابه وعنفوانه، وبقت ذكريات حنين الماضي الجميل هي جليسه الوحيد الذي يُسامره في وحدته ودموعه التي ما لبثت تُفارقه وَتنحِبه وتُبلّل لحيته وعارضه كلّما أبحر في ذاكرة ماضيه الجميل بعد انقضاء صلاة الجماعة في مسجد حارته القديمة.

الكاتب: محفوظ راشد الشبلي.

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...