ماجده العطار تكتب … في التكويت (1)

الجمعة 10 يوليو 2020 5:22 ص

شهدت الكويت عقوداً من النهوض التعليمي، بدأت منذ ما قبل الطفرة المادية، بحرص من القيادة ومن العائلات الكويتية وبمعونة من الأشقاء في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان الذين أَوفَدوا إلى بلادنا أبناءهم بدافع الأخوة. تعززت مسيرة التعليم واستدعت الحكومة الكويتية خيرة الأساتذة والتربويين من تلك الدول الشقيقة، فشهدت العملية التعليمية قفزة نوعية تجسدت بالخريجين الكويتيين الذين أخذوا أدوارهم في المواقع القيادية المسؤولة في الدولة. نحنّ إلى مرحلة جميلة من مراحل التأسيس في الكويت، حين كانت المدرسة كياناً واسماً وصيتاً ولإدارتها سمعة وهيبة، وكان للمدرس دور المُعلم ذي المكانة المحترمة في الإدارة والمدرسة والمجتمع والذي فاق دور المدرس الملقن. كنا نهاب معلمينا ونحبهم ونتودد إليهم لأنهم كانوا المثال فأعطوا بمسؤولية وما بخلوا بعلمهم. وكانوا يحترمون ذواتهم وعلومهم فارتفعوا بأعين طلابهم حين كانوا يستخدمون كل السبل لتوصيل المعلومة إلى أذهاننا. كانوا متأنقين في مظهرهم سواء بسواء.. المعلمات اللاتي كن يلبسن أجمل الألبسة والألوان والتسريحات، أو المعلمون الذين كانوا يرتدون البدلة وربطة العنق والأحذية اللامعة. كنا نحسبهم أغنياء النفس أكفاء، ونادراً ما سمعنا عن الدرس الخصوصي. لم تنفصل في مدارس الكويت العملية التعليمية عن العملية التربوية، لذا فقد حذفوا كلمة التعليم من مسمى «وزارة التربية والتعليم» ليصير اسمها «وزارة التربية» فقط. ليس من فراغ حصل هذا، بل لتأكيد أنه مكان لصنع الأجيال على الخلق الكريم والمثل والعادات الحميدة. ماذا حصل إذاً لينقلب الأمر؟ وأين المعلّم الذي يحترمه الجميع ويحفظون كرامته في مقابل المدرس الذي يُعايِره طلابه بما يقبض منهم نظير الدرس الخصوصي؟ وماذا بقي من ذلك المعلّم حين يتلقى التهديد والشتم والضرب أحياناً من طلابه بشكل مهين للتعليم والعلم والمجتمع؟ والحق يقال.. إن الدولة مارست سياسات خاطئة في التعليم وإدارته من خلال الإحلال المبكر والاستعجال في عملية التكويت. فلمجرد وجود خريج كويتي لا يعني أنه صار لزاماً أن يأخذ دور الآخر دون النظر إلى التمكّن وإلى الخبرة والأهلية، بل ان السيئ أيضاً أن هذا الخريج صار بديلاً ومسؤولاً عن استاذه الذي علّمه! إن سياسة التكويت ليست سيئة بالمجمل، وهي ضرورة أن يتبوأ شباب البلاد أماكنهم الطبيعية، غير أنها في التعليم تحديداً كانت سيئة وخطيرة حين فرّغت التعليم من كفاءات فنية وإدارية على كل المستويات، من المراحل الأولى وحتى الجامعة التي نضرب بها المثل حين استقدمت الكويت خيرة الأساتذة في كل مجالاتها العلمية سواء في العلوم العلمية أو الإنسانية. وكانت جامعة الكويت تضم علماء وفلاسفة وخبراء قانون.   لكن.. كيف يصح أن هذا العالِم وهذا الفيلسوف وهذا هو وظيفياً أقل من طالب درس على يديه، والأدهى وأكثر مرارة أن راتبه أقل بكثير من تلميذه هذا؟ فكيف ننهض وأسس هذه النهضة على رمال؟ إن جامعات العالم المتقدّم ومعاهده ومؤسساته البحثية تتنافس على استقدام الطاقات والعقول والخبرات من كل دول العالم، وتقدم لها الإغراءات الكبيرة حتى تحفظ لنفسها التطور والتفوق والسبق العلمي.

 

ماجدة العطار

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.