-->

المؤرخ خالد طعمة الشمري يكتب :” حول تحديد موقع الكوت “

الإثنين 22 فبراير 2021 10:00 ص

 

     اجتهد عدد من المؤرخين في تحديد مكان الكوت الذي استمدت منه الكويت اسمها فهذا الرشيد يقول بأنه في النفود الصغير الذي بني عليه المستشفى الأمريكاني ، أما التاجر سالم علي أبو قماز فقد حدد مكاناً مختلفاً و قال : ” الكوت بني على مرتفع (البهيته) من الناحية الشرقية لقصر السيف أي عند نهاية شارع الكهرباء جهة شارع السيف . ”  ، و جاء عبد الله الحاتم ليؤيد ما قاله أبو قماز و في الوقت ذاته ينتقد رأي الرشيد الذي حدد الكوت بموقع المستشفى الأمريكاني ، موضحاً أنه رأي يفتقر إلى الدليل الموثق ، و مؤكداً بناء أول بيت و أول مسجد و أول سوق حول الكوت كدلالة على قدم الكوت و على أنه كان نواة لقيام المدينة .  

التاجر عبدالرحمن يوسف الرومي حدد موقع الكوت على وجه التحديد بأنه يقع في فريج سعود  ، و حول هذا الموقع قال المؤرخ غانم الغانم : ” من المواقع القديمة و التاريخية و التراثية المهمة التي انشئت عليه عدة منازل كويتية كان لها الأولوية بالسكن بهذا الموقع و الذي يعتبر بالأمس القريب من المواقع المهمة و المتاخمة لمنطقة الكويت الوسطى التي قامت بها أول الانشاءات حين نشأت الكويت قبل مئات السنين … موقع ( سعود )  الحالي فهو بالضبط يقع ما بين شارعين مهمين أحدهما من الشرق الذي هو الشارع الجديد ( عبدالله السالم ) و البنك المركزي . و أما من الغرب شارع يقع غرب بنك التسليف القديم و موقف السيارات . و أما من الجنوب يقع عند شارع عبد الله الأحمد الصباح و مسجد مديرس و البنك الوطني القديم و عمارة المباركي ، و أما شمالاً شارع الخليج و قصر السيــــف و الديوان الأميري الحالي.”  

 الأديب خالد الفرج ذكر في مخطوط الخبر و العيان في تاريخ نجد أنه : ” كان لبني خالد على ساحل جون كاظمة الجنوبي مقابل كاظمة في موضع اسمه القرين كوت يضعون فيه أزوادهم أيام انتجاعهم في الشتاء و على مقربة من على الساحل قصر صغير اطلقوا عليه اسم الكويت تمييزاً له عن الكبير فاستأذن آل الصباح بالنزول عند الكويت على الساحل فبنوا مدينتهم ( الكويت ) التي كبرت فيما بعد فابتلعت الكوت الذي صار حارةً من حاراتها و لا تزال تسمى بالكويت ”  ، مفاد كلام الفرج أن ما قصده بالقرين هو ما نعرفه اليوم بتل بهيتة و حول تسمية كاظمة فهي تسمية قديمة للكويت . 

يتضح من خلال عرض أبرز الآراء التي تناولت موقع الكوت إن هنالك خلاف حول تحديد مكانه ، و هناك رأياً حديثاً مفصلاً لموقع الكوت ذكره لي الباحث محمد البكر ، و فرق بين بنائين لبني حميد ، الأول كوت للمياه على موقع المستشفى الأمريكاني ، و الثاني الحصن (القلعة) في منطقة قصر السيف ، و بين وجود أكوات أخرى قريبة منه ، إذ بين البكر في لقاء على شاشة التلفاز أن الأكوات كانت متسلسلة أولها كوت ابن عريعر ، و يليه كوت بن جراح ، ثم كوت المزيد ، و من بعده كوت الغيث. 

من خلال ما سبق أرجح أن الكوت المقصود هو ذلك الحصن المبني على التل المستطيل المقابل للفرضة القديمة بجانب قصر السيف و المشار إليه في الصورة . 

أما أنه كان على موقع المستشفى الأمريكاني فإن موقع المستشفى كان خارج حدود سور الكويت الأول ، إذ قد تم الانتهاء من بناء السور الأول في يناير 1799م ، و كانت حدوده من نقعة سعود غرباً و موقعها الحالي قرب بنك الكويت المركزي و ينتهي في موقع وزارة الخارجية اليوم ، و صحيح إن موقع المستشفى الأمريكاني كان عليه كوتاً وفق رأي الباحث محمد البكر و لكنه ليس في فترة آل حميد بل في فترة لاحقة ، و سوف نبينها لكم بعد قليل وفق الأدلة . 

سأتحدث عن تل بهيتة هذا التل الذي رجحت في دراستي أنه هو موقع الكوت ، و ذلك لاتفاق هذا الرأي مع العقل و المنطق ، حيث طبيعة هذا التل الذي يقع على أرض مرتفعة ، تجعل من عملية الدفاع عنه مهمة سهلة، كذلك ساعدت طبيعة الموقع في صموده أمام تحديات الظواهر و الكوارث الطبيعية ، و أهمها الفيضانات المفاجئة التي تسببها الأمطار الغزيرة .  

علاوة على ذلك فإن هذه المنطقة ظلت إلى يومنا هذا تمثل قيمة و أهمية كبيرة لدى الكويتيين ، حيث قام الشيخ مبارك الكبير ببناء قصر الحكم ( قصر السيف ) في منطقة قريبة من تل بهيتة .  

و ترشدنا أهمية هذه المنطقة و مكانتها إلى أنها كانت النواة التي انبثقت منها مدينة الكويت فيما بعد ، فالبداية كانت بالكوت الذي سمي بعد ذلك الكويت ، ثم نشأت الأحياء و المساجد و الأسواق حوله . 

و من الجدير بالإشارة هنا أنه لا يكاد يختلف أحد من الكويتيين القدماء على أن أقدم الأحياء التي نشأت في الكويت كانت (جبلة ، و شرق ) و هذه الأحياء تقع ضمن موقع هذا التل و بالقرب منه .  

أردت القيام بزيارة ميدانية إلى هذا الموقع المهم (تل بهيتة) فاستأذنت من د/ سلطان الدويش مدير إدارة الآثار و المتاحف بالمجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب ، و عندما سمح لي بالزيارة و ذهبت إلى هناك تفاجأت بوجود عدد من آبار المياه ، الأمر الذي يرجح فرضية أن هذا الموقع حوى كوتاً وفق المعنى الذي علمناه من كتابات المؤرخين و أوصافهم .  

قال حمد السعيدان : ” بهيتة : مكان مرتفع جنوب قصر السيف في مدخل السوق الداخلي . بهيتة تصغير بهت و البهت كلمة فارسية تعني الحجر الأبيض . ”  

تل بهيتة  هو مرتفع طولي محاذ لساحل البحر يقع في مدينة الكويت على شكل تل ، مقابل مبنى مجلس الوزراء حالياً ، و أعتقد بأن هذا التل كان يطلق عليه قديماً القرين و هو ما أكد عليه الفرحان و الفرج في حديثهما الذي أشرنا إليه سابقاً ، حدد الفريق الكويتي للتنقيب أربعة مواقع في تل بهيتة للقيام بأعمال التنقيب الأثري و هي : 

–    موقع ” KB1 ” : و هي المنطقة المواجهة لمبنى الأمانة العامة للتخطيط حالياً. 

–    موقع ” KB2 ” : و هي المنطقة الواقعة ما بين مبنى جهاز الأمن الوطني  و مسجد الخميس . 

–    موقع ” KB3 ” : و هي المنطقة الواقعة أمام مبنى متحف الكويت الوطني موقع مكتبة الكويت الوطنية . 

–    موقع ” KB4 ” : و هي المنطقة الواقعة ضمن موقع مشروع القرية التراثية بين مسجد البحارنة و ديوان النصف . 

و عثر الفريق الكويتي على : ” أساسات لمنازل و وحدات سكنية و غرف و آبار و برك مياه ، عملات ” عربية ، فارسية ، عثمانية ، هندية ” تعود إلى بداية القرنين التاسع عشر و العشرين ، كسر فخارية و زجاجية و بروسلان ، جرار فخارية ، أفران طينية ” . 

قال د/ الدويش أن : ” أولى عمليات التنقيب الأثري بمدينة الكويت بدأت العام 1987 في موقع (بهيته) وهو واقع تحت مبنى مكتبة البابطين للشعر العربي ، و في العام 2005 بدأ العمل مجدداً في موقعين آخرين ضمن المنطقة الواقعة في مشروع القرية التراثية بمنطقة شرق»لافتاً إلى ان«الآثار التاريخية التي عثر عليها تدل على ان المنطقة قد استوطنت بحدود القرن السابع عشر الميلادي بالاضافة إلى ان الحفريات في مدينة الكويت تمتاز بأنها تحوي تتابعاً طبقياً يمتد من القرن السابع عشر إلى منتصف القرن العشرين ، و أن أهميتها تكمن في مرور سور مدينة الكويت الثاني بها ووقوعها ضمن القرية التراثية المقرر ان تكون معلماً سياحياً داخل مدينة الكويت ، و أن عملية إزالة أحياء الكويت القديمة في فترة الخمسينات تسببت في تشويه معالم الطبقات الأثرية و وصل الأمر إلى ان بعض أرضيات المباني كانت على مستوى الجرف ولما أزيلت بالكامل لم يتبق حتى أساسها بالإضافة إلى ان إزالة الجدران الطينية ادت إلى انهيار جدران الطوب كما انه مع مرور الوقت والضغط الذي تعرضت له المنطقة بفعل تسوية الأرض تشكل ما يشبه الجدران الجديدة لذلك يصعب التمييز بين الجدران الأصلية والجدران المنهارة ، و جرى فتح جميع مساحة التل الأثري والكشف عن المعالم الحضارية لنشأة الكويت، كما تم جمع الصور الجوية التي التقطت للموقع في خمسينات القرن الماضي بالإضافة إلى دراسة المعالم التاريخية المحيطة به مثل المساجد القديمة والدواوين مع توثيق مراحل الحفر بأخذ ارتفاعات وأعمال الطبقات الأثرية وتسلسلها ورسم وتصوير جميع مراحل الحفر مع معرفة التنوع الحضاري للقطع الأثرية من خلال دراستها ، و المنطقة التي تم اكتشافها تمثل جزءاً من حي صغير يمر فيه شارع رئيس من جهة الشرق وشارع داخلي من جهة الغرب ويتكون هذا الحي من عدد من البيوت المتلاصقة التي مرت بعدد من الأدوات الحضارية موزعة بين القرن التاسع عشر حتى العام 1920 و ما بعده، و تم اكتشاف خمسة منازل بنيت من الحجارة البحرية والطوب ومسحت جدرانها بالجص وقد أدخل سكان هذه المنطقة الطابوق والأرضيات الاسمنتية وأرضيات الآجر والذي كان يستورد من العراق سابقاً وهو أشبه بالسيراميك في الوقت الحاضر كما عثر على آبار مياه مبنية بالحجارة البحرية وتنانير فخارية وأواني ورحى حجرية لطحن الحبوب وبورسلان صيني وبعض العملات الكويتية والهندية والعثمانية والفارسية القديمة ، و موقع القرية التراثية يضم العديد من المباني التي تم ترميمها أخيراً مثل مبنى الارشاد الصحي وديوان ومسجد النصف الذي بني العام 1910 ومركز بيت ديكسون الثقافي ومسجد البحارنة الذي بني العام 1880 ومسجد أحمد عبدالله الذي بنى في 1910 “. 

لم يرشدنا أحد عن مصير الكوت سوى حمد السعيدان الذي قال : ” آخر من ورث ذلك الكوت من أمراء بني خالد الشيخ سليمان بن أحمد (و قيل محمد ) الرحيم بن غرير الذي حكم من 1736 حتى وفاته 1752 وعقب وفاته تولى الإمارة بعده الأمير عريعر الذي سلم في الحال ذلك الكوت إلى صباح بن جابر العتبي ” ، و مفاد كلام السعيدان أن الكوت بقي ملكاً لحكام الكويت من أسرة الصباح ، و بقي متوارثاً فيما بينهم حتى تم إعادة تنظيم و تعمير مدينة الكويت . 

ذكر لنا الشملان أن أول أسر سكنت الكويت هي : ” أسرة السداني و أبورسلي و المصيبيح و كذلك أسرة رابعة مشهورة هي أسرة البحر و منها المرحوم عبدالمحسن البحر المدرس المعروف و ينسب إليها مسجد البحر أول مسجد بني على أرض الكويت حول ( الكوت ) جهة الغرب على ساحل البحر و سمي بعد ذلك مسجد الإبراهيم هدم لاحقاً . و السبب في سكن الأسر حول الكوت و الياخور و الإسطبل هو ارتباطها مع آل عريعر فكان أفرادها الوكلاء عن الكوت و الياخور و السعاة والحراس . و ربما كانت توجد معهم بعض الأسر الكويتية و لكن لم تعرف أسماؤها . ”  و تسكن كذلك جماعة من قبيلة العوازم  

و عند العودة إلى نسب آل بورسلي نجد أنهم من بني خالد و كذلك أسرة المصيبيح الأمر الذي يدل على وجود رابطة القربى مع آل حميد من بني خالد أصحاب الكوت ، و قد تواتر  أن الأسرتين ( بو رسلي و المصيبيح ) فقط هم من كانوا وكلاء لآل حميد المعروفين بآل عريعر على الكوت و ما حوله. 

حول مراحل تطور الحياة حول الكوت بين لنا الرشيد الحالة الأولى للكوت و قال : ” كانت الكويت قبل نزول آل الصباح فيها أرضاً قفراء لا يسكنها إلا لفيف من العشائر التابعة لابن عريعر و أول من شاد فيها البيوت الحجرية هم آل الصباح الذين اتخذوها لهم مقراً  ” ، و بين الشملان حالة أخرى قد تكون لاحقة لتلك الأولى : ” لابن عريعر بناء آخر على أرض مدينة الكويت غير الكوت ، هو الياخور بضم الخاء ، و الياخور … و يقع الياخور بعيداً عن الكوت نوعاً ما في الجهة الجنوبية الشرقية منه  ، أي في محلة القناعات قرب محلة براحة مبارك ، من بيت السداني . أي أن أرض مستشفى الميدان الذي هدم منذ سنة تقريباً كانت جزءاً من الياخور و كان ابن عريعر إذا زار الكويت ينصب مخيمه الكبير حول الياخور لمشاهدة الخيل . كما أن خدم ابن عريعر يخبون الخيل أي يدعونها تجري على مساحة من الأرض مستوية تقريباً في الجهة الشرقية من الياخور . و كانت عبارة عن ميدان لسباق الخيل و تدريبها و صار ذلك الحي يعرف بحي الميدان (شرق) بجوار حي ابن خميس. “، سبق و أن ذكرنا ما قاله الحاتم أنه حول الكوت بني أول بيت و أول مسجد و أول سوق ، و الأقوال المشار إليها سابقاً أكدت على أن الكوت كان أول بناء ثم انتشرت حوله البيوت و بعض الدكاكين و التي تطورت فيما بعد كي تصبح أحياءاً لها أسماء تميزها عن غيرها من الأحياء المجاورة لها  . 

خالد طعمة 

مؤرخ كويتي

الرابط المختصر :

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.