وباء الرشوة والفساد في العالم ،،، بقلم / جناع الرفاعي

الجمعة 3 يوليو 2020 1:11 ص

كل من يكتبون عن الفساد يجدون أن تشخيص المرض أسهل من وصف الدواء، وهو ما يؤدي، في جزء منه، إلى شح المعرفة بشأن الأبعاد الفعلية للفساد، كما أنه يعكس مدى استعصاء المشكلة، فوباء الرشوة الخارجية المعاصر، على سبيل المثال، محصلة العولمة، وأي شيء سيعوق تدفق تلك الأموال سيؤدي أيضا إلى الحد من نشاطات شركات وأفراد نافذين، يرتبطون ببعضهم على نحو وثيق، إلى جانب أنهم متهربون ضريبيا، ما يعني أن هذا النوع من الجهود سيعاني الكثير في محاولة إحداث الزخم السياسي.

تركز العديد من الوصفات الطبية التي يصفها مونتيرو على الدول التي تتوسل الرشى من الشركات، ويدعو إلى إيجاد سبل تمويل أكثر كفاءة لوكالات محاربة الفساد وتقوية استقلالية المحاكم من خلال رفع رواتب العاملين فيها، وتوفير سبل أفضل للحماية القانونية.

لكنه مع ذلك، لا يتطرق إلى كيفية تحقيق تلك التغييرات في البلدان التي يغلف فيها الفساد الطبقة السياسية بأكملها.

لماذا سيقوم شخص في الكرملين، على سبيل المثال، بالموافقة على تمرير إصلاحات يمكن أن تشل نموذجه التجاري بالكامل؟ حتى إن ثار الروس، فإن النخبة ستتمكن من إخفاء ثروتها المسروقة من الشعب، بما أنها مخفية في الخارج دائما.

الحل الوحيد في هذه الحالة إصلاحات تدريجية طويلة المدى، ترغم الموظفين الحكوميين والقطاع الخاص على توخي النزاهة والمصداقية. لكن من الصعب تحقيق هذا الأمر مادامت عائدات الفساد تتعدى مخاطره.

أما فيما يتعلق بالنظر إلى ما هو أبعد من البلدان التي تتكدس فيها الرشى، حيث يتم دفع تلك الأموال وغسيلها، فمونتيرو محق في دعوة الحكومات للعمل يدا بيد في محاربة ما أسماه «نظام الرشاوى العالمي»، لاسيما في بلدان مثل قبرص، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وهي من أهم البلدان في المنظومة المصرفية العالمية.

لكن كتابه لا يخصص الكثير من المساحة للطرق الجديدة التي ينبغي أن تعمل فيها الحكومات معا، أو طرق التغلب على عقبة انعدام الثقة التي ضربت السياسة حول العالم، وجعلت إمكانية التعاون الدولي في تحدي الفساد أقل مما كانت عليه قبل عقود من الزمن

الحل الأبرز الذي لا يستفيض فيه مونتيرو هو أن تلزم الحكومات الشركات باتباع الشفافية. فكل حلقة من الفساد الموصوف في الكتاب تتضمن استخدام بنى شركاتية مجهولة تسمح للمسؤولين الفاسدين بإنكار وجود أي رابط بينهم وبين الرشى التي يحصلون عليها، مما يتيح للشركات ادعاء الجهل بأنها كانت طرفا في عملية ارتشاء.

يظل من السهل، بل وغير المكلف حتى، تصميم شبكة من الشركات الوهمية، إلى درجة أن الأمر سيشكل صدمة لمؤسسات تعزيز القانون من باب أن هذه الشركات تجعل من المستحيل تحديد الملاك الفعليين لهيئة مالية معينة. وأظهر لنا التاريخ أن الناس لا يتورعون عن ارتكاب الجرائم في حال كانت الحصانة مضمونة.

برغم بعض التحركات في الاتحاد الأوروبي وأوساط صناع القرار في الكونغرس الأميركي لإجبار الشركات على الإعلان عن ملاكها الفعليين، فإن هذه الجهود ترقيعية وتفتقد الموارد الكافية، كما أنها بالكاد بدأت تسري على الائتمانات والمؤسسات التي تحوز حصة لا يستهان بها من ثروة العالم.

إن المساحة المتاحة لوكلاء الفساد ستتقلص بشكل كبير، في حال عزمت ملاذات الثروة الكبرى مثل سويسرا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا الإعلان عن الملاك الفعليين لأصولها العقارية وشركاتها الكبرى كافة، كما أن الأمر سيسهل من عمل جهات تعزيز القانون.

لقد قام مونتيرو بعمل مذهل في لفت النظر إلى ضرورة أن يكترث الجميع بشأن الفساد. والآن، فالأمر يتعلق بالسياسيين والأكاديميين والمسؤولين الحكوميين لتحديد مكافحة الفساد كأولوية، وإلا فإن هذا النوع من الفساد الحكومي المتصاعد في أماكن مثل الفلبين وروسيا سيصبح عرفا عالميا. فكروا فقط في كمية المبالغ الصغيرة التي تدفقت إلى الولايات المتحدة بهدف تدجين نظامها السياسي.

إن محاربة الفساد ليست فقط لأن الأمر غاية في ذاته، ولكن لأنه ضروري للدفاع عن الديموقراطية الليبرالية.

الأنباء

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.