هل قرأ حكام دول الخليج قصة قيام الدولة الأموية وسقوطها؟ … بقلم / أحمد الجارالله

الأحد 20 سبتمبر 2020 5:57 م

في التاريخ دروس وعبر لا بد أن يستفاد منها، خصوصًا في نشوء وزوال الدول، ومن أعظم ما يمكن التعلم منه في هذا المجال قصة قيام الدولة الأموية وسقوطها المثير جدًا.
في عام 41 هجرية (662 ميلادية) اختلف علي بن أبي طالب ومعاوية بن سفيان (رضي الله عنهما) على الأحقية في الحكم، وجرت القصة المعروفة بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، إلى أن استقرت الخلافة لداهية العرب معاوية الذي شرع من فوره ببناء مؤسسات الدولة، فنظم ديوان البريد وديوان الختم، وأطلق عهد الفتوحات.
هذه الإنجازات أصبحت مهددة مع تولي يزيد بن معاوية الحكم خلفا لأبيه، فقد استهل عهده بفتنة عظيمة بقتله الحسين بن علي (رضي الله عنهما) وعمَّت الفوضى أرجاء الخلافة، خصوصًا حين رفض عبدالله بن الزبير مبايعة يزيد خليفة للمسلمين، فأخذه يزيد بالشدة، مما جعل ابن الزبير يلوذ بالبيت الحرام. ولم يمنع ذلك يزيد من إرسال جيش حاصره في مكة، استمر حتى وفاة يزيد نفسه سنة 64 هجرية، وطوال تلك السنوات لم تهدأ أحوال الخلافة، إلا حين تولى عبدالملك بن مروان، الذي ورث فشل خليفتين في الحكم.
في مطلع عهده كانت الفتن والاضطرابات والانقسامات تعصف بالدولة، إلا أنه أخمدها واختار ولاة أشداء، منهم الحجاج بن يوسف الذي قضى على دولة ابن الزبير وقتله سنة 73 هجرية، بعد أن حاصره في مكة، ووُلِّي بعدها على العراق فقضى على كل الفتن فيه، وخلال 20 عامًا حقق عبدالملك بن مروان انتصارات كثيرة، واعتبر المؤسس الثاني للدولة الأموية، وموحد العالم الإسلامي تحت رايته.
إلا أن كل ذلك خسره ولداه الوليد وسليمان حتى قُيّض للخلافة حاكم عادل اسمه عمر بن عبدالعزيز، لقب بخامس الخلفاء الراشدين، لكن حكمه لم يدم طويلا، وواجه معارضة من المنتفعين ببيت الحكم، فقُتل مسمومًا، ولم يكن خليفته يزيد بن عبدالملك أقل فسادًا ممن توالوا على الحكم، ويروى عنه أنه عشق جارية اسمها حبابة، كان يصرف أغلب وقته باللهو معها، وحين ماتت لم يفارقها وبقي ثلاثة أيام يشمها، رافضًا دفنها إلا بعد أن أخذ عليه القوم فعلته المنكرة تلك، ومات حزنًا وكمدًا عليها بعد أربعين يومًا.
في عهد هشام بن عبدالملك أصبحت الدولة امبراطورية، وقتذاك، امتدت حدودها من أطراف الصين شرقاً حتى جنوب فرنسا غرباً، وتمكنت من فتح إفريقية والمغرب والأندلس وجنوب بلاد الغال والسند وما وراء النهر.
طوال تلك العقود كانت الدولة الأموية في حال تأرجح بين الاستقرار والفتن، إذ كانت لكل حاكم رؤيته، ولم يتحول الملك استمرارية، إلا أن هشام بن عبدالملك الذي اعتبر يومها آخر خلفاء الهيبة، ترك دولة لا تغيب عنها الشمس، وكانت خلافته هي هاجسه لأن ولي عهده الوليد بن يزيد ليس أهلا لإدارة الدولة، فهو فاسد سكير، وهشام لم يكن بمقدوره نكث عهده لسلفه يزيد بتعيين الوليد وليًا للعهد من بعد هشام.
مع عهد الوليد بن يزيد بدأ الضعف يدب في أركان الخلافة، لأنه تفرغ للهو، وحكمه لم يدم سوى سنة واحدة، خلفه بعدها يزيد بن الوليد الذي سُمِّي يزيد الناقص لأنه خفض رواتب الجند وموظفي الدولة، بعدما استشرى الفساد في الخلافة، ومنع الولاة الخراج عنها، فتوسعت المعارضة، وزادت أعمال النهب والسلب، والقلاقل الأمنية.
كان آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد ، المعروف أيضاً بمروان الحمار الذي في عهده كثرت القلاقل والثورات، وكان قد تفرغ لمقاتلة الخوارج، فضرب فيه المثل”أصبر في الحرب من حمار”، إلا أن الأمراض التي تكاثرت على الخلافة، وأهمها ثورة أبي مسلم الخُراساني، صاحب الدعوة العباسية، وحفيد آخر الأكاسرة يزدجرد الثالث، حيث اتخذ بنو العباس من الدين ستارًا لهم لبناء دولتهم، وحين استقر الحكم للخراساني عمد جيشه إلى نبش قبور بني أمية وإخراج رفاتهم ونشرها في العراء، لكن ما لبث أن مات مقتولاً على يد الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، الذي أنهى سيطرة الفرس على الدولة، حين استشف ميلهم إلى خطف الخلافة الجديدة.
من أكثر الأخطاء القاتلة أن المتأخرين من الخلفاء الأمويين عمدوا إلى تقريب العدو على أمل أن يستميلوه، غير مدركين أن الطامع في الحكم يتحين أقل الفرص ليقترب من العرش، فيما أبعدوا الأصدقاء المخلصين، اعتقاداً منهم أن ولاء هؤلاء يكفيهم كي يبقوا أمناء للحكم، لكن ذلك أدى إلى إثارة النعرات القبلية والطائفية، واتساع رقعة الفسق في قصور الخلفاء وولاتهم في مختلف أرجاء الدولة.
شهدت الخلافة الأموية ثورات عدة، خصوصًا في الشام والعراق، أهمها ثورات الكوفة وفيها خلفاء أبدعوا وطوروا، فيما آخرون منهم أفسدوا في الأرض ولم يصونوا خلافة عظيمة، كانت واحدة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ العالمي.
رحم الله الملك عبدالعزيز بن سعود الذي كان قارئًا جيدًا للتاريخ، وقد قرأ قصة الدولة الأموية، وعمل خلال توحيد مملكته على تفادي كل الثغرات التي وقع فيها بعض خلفاء بني أمية، فأقام هذه الدولة العظيمة ذات الحضور في كثير من المجالات الدولية.
وهنا لابد من السؤال: هل قرأ حكام دول الخليج العربي قصة قيام وسقوط الدولة الأموية، وهل يمكن لأساليب الحكم التي سادت في تلك المرحلة أن تطبق في زمننا هذا؟
إنه سؤال للتاريخ.

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.