أحمد الجارالله يكتب : تركيا الأردوغانية… من صفر مُشكلات إلى صفر علاقات

الأحد 18 أكتوبر 2020 7:30 ص

عندما أُعلنت الجمهورية التركيَّة على أنقاض السلطنة العثمانية، رفع مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك شعار: “السلام في الوطن والسلام في العالم”، وسارت السياسة الخارجية على هذا المنوال طوال العقود الماضية.

في العام 2013 أعاد وزير الخارجية، آنذاك، أحمد داود أوغلو تأكيد الأمر عبر نظرية “سياسة صفر مشكلات مع دول الجوار”، رغم أنَّ شهية التدخلات الإقليمية كانت حينها مفتوحة على كل الاتجاهات، لاسيما التدخل الإيراني في العراق وسورية ولبنان، فيما نهض غول “الإخوان” ليلتهم الدول العربية واحدة تلو الأخرى تحت ستار “الربيع العربي”.

في تلك الفترة بلغ الناتج القومي التركي 784 مليار دولار، فيما أعلنت أنقرة خطتها لتحقيق تريليون دولار في العام 2023، وتوسيع علاقاتها مع مختلف دول العالم، لكن كل هذه الآمال الممكنة التحقق تبخرت إثر التغيير الواضح في سياسة “حزب العدالة والتنمية”، وبدء الرئيس رجب طيب أردوغان السَّعي إلى التعويض عن الفشل في إدخال بلاده الاتحاد الاوروبي بإحياء مشروع سلطنة بني عثمان، فتدخل في الصراع السوري، والعراق وكذلك لبنان، ولاحقاً الصومال واليمن وأذربيجان، فيما بدأ حشد قواته على الحدود مع اليونان، ما أدى إلى تحول سياسة “صفر مشكلات مع الجوار” إلى صفر علاقات مع العالم.

جرّاء ذلك انخفض التبادل التجاري التركي- الأوروبي في الأشهر الماضية بنحو 30 في المئة، ومع شمال أفريقيا، خصوصاً الدول العربية منها متراجعاً إلى الحدود الدنيا، فيما المملكة المغربية أعلنت أخيراً فرض ضريبة على 1200 منتج تركي، أما في دول الخليج العربية، فتراجع التبادل التجاري معها
بنحو 65 في المئة، وهاهي الدعوة الشعبية السعودية لمقاطعة المنتوجات التركية بدأت تُغيِّر معالم العلاقات الاقتصادية بين الدولتين بشكل جذري.

بسبب كل هذا ارتفع معدل الجريمة في تركيا إلى 51.6 في المئة، بسبب عدم الاستقرار المعيشي بعدما تدهور سعر صرف الليرة من 2.5 مقابل الدولار الأميركي الى 7.94، وارتفع معدل البطالة إلى 13.6 في المئة، ما يعني زيادة في الضغط على الاقتصاد المريض أساساً، ما يدفع إلى المزيد من القلاقل السياسية، ناهيك عن الإنفاق العبثي على العسكرة في الدول التي تحارب فيها القوات التركية والمرتزقة المستخدمة فيها، أكان في ليبيا أو أذربيجان.

أمام هذا الوضع لم يجد المارد التركي -الذي كان يعتبر من أقوى اقتصادات العالم، واحتل المرتبة 18 بين الدول العشرين- إلا قطر، أصغر دولة خليجية، يلجأ إليها ليسد العجز في دعم حروبه وصراعاته، لاسيما أن النظام السابق فيها توهم قدرته السيطرة على الدول العربية المهمة، من خلال “الإخوان” الإرهابيين فيما جعل الدوحة مأوى لهم.

صحيح أن تركيا استغلت هذا الوضع وأخذت توظف الأموال التي تحصل عليها في تلك الحروب، لكن بعد تغير النظام، ومجيء الأمير تميم بن حمد، تحولت قطر دولة طاردة لكل ما يمكن أن يُشكل مصدر تهديد لها، وكأنها تعيد بذلك عقارب الساعة إلى القرن التاسع عشر حين طردت الحامية العثمانية منها، في وقت اعتقدت فيه اسطنبول، حينذاك، أنها سيطرت على الساحل الغربي للخليج من خلال إمساكها بزمام قطر، لكن بني تميم رأوا في ذلك تفريطاً كبيراً بحريتهم، ونهباً عثمانياً لأموالهم.

من شاهد تعابير رجب طيب أردوغان وهو يستعرض حرس الشرف القطري في ختام زيارته الدوحة إلى جانب الأمير الشيخ تميم بن حمد، يُدرك جيداً أن الرجل قد عاد إلى أنقرة بخفي حنين، فصنبور المال الذي كان مفتوحاً في العهد السابق قد أقفل، وقطر حالياً ليست في وارد الخروج على الإجماع الدولي في تصفية البؤر الإرهابية وخفض التوترات إقليمياً، ولن تكون في ليبيا وأذربيجان وإن كان بعض إعلامها منحازاً إلى التدخل التركي هناك.

خلاصة القول: بات واضحاً أنَّ مقولة “لا ينقص البدر إلَّا حين يكتمل” تنطبق حالياً على تركيا، إذ إن دائرة التدخلات الواسعة جداً، تجعل بدرَها ينقص رويداً… رويداً إلى أن يصبح محاقاً، وليس هلالاً يضم الإقليم كما يتوهم أردوغان.

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.