-->

أحمد الجارالله يكتب : السودان… من أوهام الخليفة المهدوي والأيديولوجيات إلى عصر الواقعية السياسية

الأحد 25 أكتوبر 2020 3:52 ص

وفقاً للوقائع والتاريخ والجغرافيا، فإنَّ السودان سلةُ غذاء العالم العربي، هذا لو أنَّ السودانيين لم يسقطوا في براثن أوهام الجمهوريات الاشتراكية وألاعيب التيارات السياسية ومجالس الثورة، التي جلبت على بلادهم الويلات والحروب الأهلية، وأدت في نهاية المطاف إلى تقسيم بلادهم أقاليم عدة تقاتل في سبيل الحكم الذاتي.

ولأنَّ العودة إلى التاريخ ضرورة للحاكم والشعوب، من المفيد التوقف عند ما فعلته الأوهام وما جلبه الغرور السياسي من كوارث على هذا البلد العربي الكبير، خصوصا في بداية الدولة المهدية عام 1885، حين توهم الخليفة عبدالله التعايشي أنه أحد الرسل.

في العام 1887 بعث الخليفة المهدوي ثلاث رسائل إلى الامبراطور العثماني وخديوي مصر، وملكة بريطانيا فيكتوريا، وإذا كان رد الطرفين الأولين قد اتسم بالسخرية، وقالا للمبعوثين: “إن أولئك الملوك الذين تجرأ سيدكم على الكتابة إليهم لأرفع جداً من أن يتنازلوا للإجابة عليه”، فإن ثالثة الاثافي في ما تضمنته رسالته إلى الملكة الإنكليزية، حين أراد أن يتمثل بنبي الله سليمان عندما خاطب ملكة سبأ بلقيس طالباً منها اعتناق دين التوحيد، فكتب التعايشي برسالته” من الخليفة عبدالله التعايشي إلى فيكتوريا، ملكة الإنكليز، أَسلِمي تَسْلَمي فإن قبلتِ وأسلمتِ زوجناك بابن أخينا الأمير يونس ولد الدكيم إن قبل بك”.

حين تسلَّمت فيكتوريا الرسالة كان ردُّها: “إنني قادمة إليكم”، وجردت جيشاً كبيراً غزا السودان وقضى على الدولة المهدية، وضمها الى المملكة المصرية، حتى العام 1951 عندما اعترفت القاهرة بحق السودانيين في تقرير المصير، وبعد أربع سنوات من ذلك التاريخ انسحبت القوات البريطانية والمصرية وأعلن السودان استقلاله.

بعد ذلك التاريخ دخلت البلاد مرحلة المخاضات العسيرة، والانقلابات التي لم تتوقف، بدءا من إبراهيم عبود عام 1958، وصولاً الى الصادق المهدي في 1964، وجعفر النميري 1969، إلى إعلان الجنوب منطقة حكم ذاتي عام 1972، وليس انتهاء بانقلاب عمر البشير في العام 1989.

طول العقود الستة الماضية غرق السودان بالفساد، وهيمنة مراكز القوى والعسكر، وبدلاً من التنمية واستغلال الموارد الطبيعية الضخمة، من مياه وأرض زراعية ونفط، ومناجم، اقتصر الحكم على النهب واستغلال النفوذ، فشهدت البلاد نحو خمس مجاعات في غضون نصف قرن، ذهب ضحيتها ما يزيد عن مليوني نسمة، وارتفع معدل البطالة الى نحو 20 في المئة، في العام الماضي، بينما المغامرات السياسية، وجرائم الحرب التي ارتكبت في دارفور وغيرها من المناطق أدت الى فرض عقوبات على المسؤولين في نظام البشير، وأُدرج السودان في قائمة الإرهاب الدولية.

اليوم تدخل هذه الدولة مرحلة جديدة، عبر السياسة الواقعية التي يعمل عليها النظام الحالي، بعدما أدرك أن السبيل للنهوض يبدأ من التخلي عن الأوهام، والاعتراف بالتفوق الإسرائيلي في مجالات عدة، خصوصا في التكنولوجيا الزراعية التي غزت العالم، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، إضافة الى التفوق في المجال العلمي، وكل ذلك يخدم السودان المحتاج للخروج من شرنقة العقوبات والفقر والمجاعات.

شارك الجيش السوداني بالكثير من الحروب العربية التي كانت نهايتها الهزيمة والمزيد من التوسع الإسرائيلي، في ظل المكابرة بتحرير فلسطين، بينما كان يفترض في ظل العجز العربي الاعتراف بإسرائيل كدولة واقعية، وعدم قدرتهم على هزيمتها، وأن يعملوا بمبدأ الكثرة الحكيمة تغلب الشجاعة المتهورة.

لاشك أن التهديدات المصيرية للعرب ليست من إسرائيل، إنما من إيران وتركيا، ولقد رأينا كيف سعت إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما إلى جعل دول الخليج العربية محميات إيرانية، وفي المقابل خرج علينا العثماني الجديد رجب طيب أردوغان ساعياً الى استعادة امبراطورية ماتت الى غير رجعة.

كلُّ ذلك لن يكون له أيُّ مكان مستقبلاً، فإسرائيل التي تقيم علاقات طبيعية مع الدول العربية لن تترك لا إيران أو تركيا تستقويان على العرب، وتهددان مصيرهم، ولهذا فإن السودانيين الذين نظروا بعيون الحقيقة الى الواقع بدأوا شق طريقهم الى المستقبل عبر السلام الذي يجب أن يكون أساس الفلسفة السياسية العربية، وأن يخرج الذين لا يزالون في أنفاق العتمة الى النور، حتى لا يجدوا أنفسهم خارج التاريخ.

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.