-->

اللقاحات المعتمدة على تقنية mRNA تبشر بالقضاء على السرطان

الخميس 14 يناير 2021 5:45 ص

«أحلك لحظات الليل هي تلك التي تسبق طلوع الفجر»، فمع تحورات فيروس كورونا المستجد التي ظهرت في بريطانيا وجنوب أفريقيا، ظهرت في الأفق بوادر انفراجة لن تشمل هذه الجائحة فقط بل تسهم في علاج العديد من الأمراض الخطيرة الأخرى.

فمع تعاظم الأمل في أن تتمكن حملات التطعيم الجماهيرية من تحسين الأوضاع القاتمة لجائحة كورونا، توضح نظرة فاحصة، وفق ما نشر الكاتب أندرياس كلوث في موقع «بلومبيرغ»، أنه يبدو أن التقنيات نفسها التي سنستخدمها لهزيمة كوفيد-19 ستتمكن أيضا من هزيمة الأمراض الأشد قتامة – بما يشمل السرطان، الذي يقتل ما يقرب من 10 ملايين شخص سنويا.

وتستخدم لقاحات كوفيد الواعدة الأحماض النووية المسماة رسائل آر. إن. ايه (mRNA)، ومن هذه اللقاحات «فايزر- بيونتيك» ولقاح شركة موديرنا الأميركية Moderna Inc. (كان اسمها الأصلي ModeRNA) بالإضافة إلى لقاح ثالث في الطريق من شركة كيورفاك ان فيCureVac NV، ومقرها أيضا في ألمانيا. وفيما تتكون اللقاحات العادية في الاصل من فيروسات غير نشطة أو ضعيفة، تحفز، عند حقنها في الجسم، استجابة مناعية تحصن الجسم لاحقا عند مواجهة الفيروس الفعلي، فإن الفترة التي تستغرقها هذه العملية تفتح مجالا للعدوى. لكن لقاحات ام ار ان ايه mRNA لا تعاني هذه المشكلات، حيث ترسل رسائل للجسم بأن يصنع البروتينات المهاجمة (في هذه الحالة، تلك التي تلتف حول الحمض النووي لفيروس كورونا). ثم يستقر الجهاز المناعي على هذه الأجسام المضادة حتى يأتي اليوم الذي تواجه فيه الفيروس المصممة من أجله (فيروس كورونا في هذه الحالة).

وهنا يكمن الوعد الأكبر للقاح mRNA: فهو قادر على إخبار خلايانا بصنع أي بروتين نريده. يتضمن ذلك الأجسام المضادة للعديد من الأمراض الأخرى غير «كوفيد-19».

فخلال عمله اليومي، يتلقى لقاح ام ار ان ايه mRNA التعليمات بصنع الحمض النووي في نواة الخلية الخاصة بنا. ويتم نسخ امتدادات الشريط الوراثي (الجينوم)، والتي يرسلها mRNA إلى السيتوبلازم، حيث تستخدم مصانع خلوية صغيرة، تسمى الريبوسومات، هذه المعلومات لإنتاج البروتينات. وهنا اختصرت شركتا بيونتيك وموديرنا هذه العملية، عن طريق تخطي تعقيدات استخدام الحمض النووي، ليتم أولا اكتشاف نوع البروتين المطلوب، على سبيل المثال، المسامير البروتينية الموجودة على الغلاف المحيط بالفيروس. ثم ينظرون إلى تسلسل الأحماض الأمينية التي تصنع هذا البروتين، ومن ذلك يستمدون التعليمات الدقيقة التي يجب أن يرسلها mRNA للجسم.

وهذه العملية سريعة نسبيا، وهو ما يفسر استغراق صنع اللقاحات أقل من عام، وهي وتيرة لم يكن من الممكن تصورها سابقا. كما أنها آمنة وراثيا – فلا يمكن للـ mRNA العودة إلى النواة وإدخال الجينات عن طريق الخطأ في حمضنا النووي.

فائدة لجائحة كورونا

تشمل مشروعات موديرنا وبيونتيك تجارب الأدوية لعلاج سرطانات الثدي والبروستاتا والجلد والبنكرياس والدماغ والرئة والأنسجة الأخرى، بالإضافة إلى لقاحات ضد كل شيء من فيروس الإنفلونزا إلى فيروس زيكا وداء الكلب. وعلى الرغم من بطء التقدم بسبب الحاجة، وفق رأي شاهين وتوريشي، إلى رؤوس أموال ضخمة والانتظار فترة طويلة تزيد على العقد بسبب التجارب أولا، ثم للحصول على الموافقات القانونية، وقلة المستثمرين المستعدين لهذا النمط، فإن جائحة فيروس كوفيد-19، قد تؤدي إلى تسريع كل هذه العمليات، حيث أدت إلى ظهور لقاحات mRNA بكميات هائلة، لأول مرة، وإثباتها لأهميتها. وبالفعل، هناك إشارات حول منح جائزة نوبل لكاريكو. من الآن فصاعدا، لن تعاني تقنية mRNA من أي مشاكل للحصول على الأموال أو الاهتمام أو الحماس – من المستثمرين والمنظمين وصناع السياسات.

التقنية موجودة من السبعينيات والعالمة المجرية كاريكو أحيتها بعد مواجهتها السرطان

تقنية mRNA معروفة للباحثين منذ السبعينيات وكان لديهم حدس أنه يمكنك استخدامها لمحاربة كل الأمراض، لكن نقص التمويل ومشاكل أخرى عطلت هذه التقنية قبل أن يتوقف التقدم فيها بالتسعينيات، حيث كانت العقبة الرئيسية هي أن حقن mRNA في الحيوانات كانت غالبا ما تسبب التهابا مميتا.

هنا جاء دور كاتالين كاريكو – وهي عالمة مجرية هاجرت إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي وكرست حياتها المهنية بأكملها بشكل بطولي لتطوير mRNA. لكنها فقدت تمويلها، في التسعينيات وخفضت رتبتها وخفض راتبها، وعانت من نكسات أخرى، لكنها تمسكت بالتقنية، وبعد ذلك، وبعد مكافحتها للسرطان بنفسها، حققت إنجازا مهما.

في بدايات الألفية الثالثة أدركت كاريكو وشريكها في البحث أن استبدال اليوريدين uridine، وهو أحد «أحرف» mRNA، يوقف الالتهاب دون المساس بالشفرة. وهكذا بقيت فئران التجارب على قيد الحياة. وذلك قبل أن يقرأ دراستها العالم في جامعة ستانفورد، ديريك روسي، الذي شارك لاحقا في تأسيس شركة موديرنا. كما لفتت انتباه أوغور شاهين وأوزليم توريشي، وهما زوج وزوجة من أطباء الأورام وشاركا في تأسيس شركة بيونتيك BioNTech. لقد قاموا بترخيص تكنولوجيا كاريكو وعينوها في شركتهم. وكانوا، من البداية، أكثر اهتماما بعلاج السرطان.

كيف تساعد تقنية mRNA في القضاءعلى الأورام دون إتلاف الأنسجة الأخرى؟

من المعروف أنه كي تقضي على الورم الخبيث، يتحتم عليك أن تطلق عليه الإشعاعات أو المواد الكيميائية، بما يؤدي إلى إتلاف الكثير من الأنسجة الأخرى خلال هذه العملية. وقد أدرك شاهين وتوريشي أن أفضل طريقة لمحاربة السرطان هي علاج كل ورم على أنه فريد من نوعه وراثيا، وتدريب أجهزة المناعة للبشر ضد هذا العدو المحدد. وهي الوظيفة المثالية لتقنية mRNA. فيمكنك العثور على الجسم المضاد، ثم الحصول على بصماته الوراثية، ثم عكس هندسة التعليمات الخلوية لاستهداف هذا الجاني، ثم ترك الجسم يقوم بباقي المهمة.

الرابط المختصر :

مواضيع ذات صلة

شاركنا برأيك...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.